محمد متولي الشعراوي

2726

تفسير الشعراوى

لذلك أوضح لهم الحق : إن أردتم أن تتعلموا طلب العزة فعليكم أن تغيروا من أسلوبكم في طلبها ، فأنتم تتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وتبتغون عندهم العزة وهم من أهل الأغيار ، والأغيار تتبدل من يوم إلى يوم ، فإن كان الكفار أغنياء اليوم ، فغدا لن يكونوا كذلك ، ولقد رأيتم كبشر أن الغنىّ يفتقر ، ورأيتم قويا قد ضعف ، وطلب العزة من الأغيار يعنى أنكم غير أعزاء ، ومع ذلك فأنتم تطلبون العزة من غير موضعها . فإن أردتم عزة حقيقية فاطلبوها ممن لا تتغير عزته وهو الحق سبحانه وتعالى : « فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً » . وفي هذا القول تصويب لطلب العزة . وليطلب كل إنسان العزة إيمانا باللّه ؛ فسبحانه الذي يهب العزة ولا تتغير عزته : « فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً » . وكلمة « جميعا » هذه دلت على أن العزة لها أفراد شتى : عزة غنى ، عزة سلطان ، عزة جاه ، فإن أراد واحد أن يعرفها ويعلمها فهي - جميعا - في الحق سبحانه وتعالى . والمؤمنون في عبوديتهم للّه عبيد لإله واحد ؛ وقد أغنانا اللّه بالعبودية له عن أن نذل لأناس كثيرين . وسبحانه قد أنقذ المؤمن بالإيمان من أن يذل نفسه لأي مصدر من مصادر القوة ، أنقذ الضعيف من أن يذل نفسه لقوى ، وأنقذ الفقير من أن يذل نفسه لغنى ، وأنقذ المريض من أن يذل نفسه لصحيح . إذن ساعة يقول الحق : « فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً » فمعناها : إن أردت أيها الإنسان عزا ينتظم ويفوق كل عز فاذهب إلى اللّه ؛ لأنه سبحانه أعزنا فنحن خلقه ، وعلى سبيل المثال نجد أن الحق لم يجعل الفقير يقترض ، بل قال : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ ( من الآية 245 سورة البقرة ) وهنا يرفع اللّه عبده الفقير إلى أعلى درجات العزة . العبد الفقير لا يقترض ، ولكن القرض مطلوب للّه ، ولذلك قال أحدهم لأحد الضعفاء : إنك تسأل الناس ، ألا تعف ولا تسأل ؟ . فقال : أنا سألت الناس بأمر اللّه ، فالسائل بسأل باللّه ، أي أنه يتخذ اللّه شفيعا ويسأل به . وعندما يطلب الإنسان العزة من مثيل له ، فهو يعتز بقوة هذا الكائن وهي قوة ممنوحة له من اللّه وقد يستردها - سبحانه -